
معجم اللهجات في المملكة العربية السعودية
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

قريبا
معجم اللهجــات المحكيــة
في
أنّ هناكَ صنفاً من المراجع يستحقّ بجدارةٍ أن يُدرَجَ في ميدان اللسانيات، أي أن يُعدّ مستوى من المستوياتِ التّحليلية في اللسانيات المعاصِرة
لأنّه يعرضُ للدّلالة باعتبارِها مستوى مركزيا في التحليل اللساني يتحكّم في باقي المستويات، أو باعتبارِها مستوى ثانويا مشتقا من مستوى مركزيّ أعلى هو المستوى التّركيبي
ويمكن أن نشيرَ إلى بعض النّماذج في هذا السياق مثل:
- دلالة اللغة وتصميمها [جاكندوف، شومسكي، فندلر] ترجمة: محمد غاليم، محمد الرحالي، عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، ط.1/2007م
- التوليد الدلالي فى البلاغة والمعجم، تأليف: محمد غاليم، تاريخ النشر 1987م.
إحياء التراث والإفادَة من اللسانيات الحديثة
لتطوير الدّرس اللغوي العربي
منتدى مجالس الفصحى:
www.alfusha.net
"علم الدلالة" هو أحد فروع علم اللغة (أو اللغويات، أو اللسانيات) وهو من أهم هذه الفروع وأعقدها وأمتعها في آن واحد، وهو يبحث في المعنى الذي هو الوظيفة الرئيسية للغة.
تطور موضوع علم الدلالة عبر تاريخه الحديث. ففي بدايته كان محط اهتمامه هو البحث في أصل معاني الكلمات وطرق تطور تلك المعاني. وهذا المفهوم التصق بتعريف هذا العلم عند عدد من الدارسين، وقد كان هذا العلم مرتبطا في إطار الثقافة العربية والإسلامية قديماً بعلم المنطق والفلسفة إضافة لعلوم البلاغة، وفي الثقافة الغربية فقد ارتبط قديماً بعلوم البلاغة ولم ينفصل عنها إلا بعد أن جاء العالم اللغوي «ميشيل بريال». وقد أجمعت كل الدراسات في تعريفه على أنه دراسة لمعنى الكلمات، أو دراسة المعنى اللغوي على صعيد المفردات والتراكيب.
إلى جانب ما تفضل به الإخوة يسعدني أن أحيل الباحث على المراجع الآتية:
Clefs pour la sémantique: Georges mounin -seghers- 1975.
-La coreference: syntaxe ou sémantique: Gille Fouconnier- Paris
- Du sens: Essais semiotiques. E. d seuil A. J. GREIMAS
- Questions de sémantique: N. CHOMSKY. Trad Bernard cerquiglini
Sémantique linguistique: J.Lyons. trad: J.Durand Larousse 1990
-مدخل إلى الدلالة الحديثة عبد المجيد جحفة توبقال 2000
Théorie globale des descriptions linguistiques: Katz et Postal trad: Pollok
أما عن علم الدلالة فيمكن القول أن أصل تسمية La sémantique يعود إلى ميشال بريل Michel Breal) الذي جعله مقابلا لعلم الأصوات Phonétique. وقد كانت محاولته تلح على الإرتباط الوثيق بين المعنى واللغة، وإعلانا للقطيعة التي مكنت من التأشير على التحول الذي مس تاريخ العلاقات بين الفكر واللغة، ليصبح المعنى مكونا لغويا منذ سنة 1883م حين صدور مقال م.بريل
هل اللغة السامية الأم هي اللغة العربية؟
رأي للنقاش العلمي
يوجد إجماع نظري وعملي بين دارسي اللغات السامية مفاده أن معرفة العربية شرط رئيس لمعرفة اللغات السامية، بما في ذلك العبرية والسريانية. واللغة السامية الأم، وهي لغة افتراضية توصل إليها بمقارنة اللغات السامية على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي، تبدو للباحث وأنها العربية، بل إنها في حقيقة الأمر ليست إلا العربية تقريبا .. وليس مرد هذا الكلام إلى قناعات عروبية أو قومية، بل إلى العلم والدرس المنهجي والتحقيق. فلقد أثبت البحث العلمي في علم اللغة المقارن أن العربية ـ وحدها، وبعكس كل اللغات السامية ـ احتفظت:
1. على المستوى الصوتي: بكل الأصوات السامية الأصلية إلا حرفا واحدا احتفظت فيه الحميرية؛
2. على المستوى الصرفي: بكل الأبنية السامية الأصلية بناء ولفظا وكذلك صيغ الأفعال (أضافت العربية إليها صيغ المجهول باطراد وهذا تطور مخصوص بها)؛
3. على المستوى النحوي: بالإعراب (بالتنوين وأصله بالتمِّيم ما عدا في المثنى فأصله بالتنوين)؛
4. على المستوى المعجمي: بكل الجذور السامية الأصلية تقريبا.
والناظر في اللغات السامية وفي السامية الأم كما تم تصورها وإعادة بنائها في كتب بروكلمان ونولدكة ورايت وموسكاتي وغيرهم (وهي الكتب المرجعية في هذا المجال)، يجد أنها لا شيء إلا العربية تقريبا. والمتمعن في ذلك يرى بوضوح أن العلاقة التاريخية بين العربية الفصيحة من جهة، وبين اللغات السامية مجتمعة (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) من جهة أخرى ، ليست أكثر أو أقل من العلاقة الحالية بين العربية الفصيحة من جهة، واللهجات العربية الحالية من جهة أخرى! وهذه المقارنة مثيرة للاهتمام حقا، ولقد انتهيت إلى ذلك بعد إجراء مقارنات دقيقة جدا بين العربية الفصيحة من جهة، وبين العبرية والسريانية واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى. وما ينطبق على المقارنة بين العربية الفصيحة والعبرية والسريانية من جهة، وبين العربية الفصيحة واللهجتي
منهجية دراسة ألفاظ اللهجة
بسبب التضارب في الآراء حول مدى تقارض اللغة العربية من اللغات السامية الأخرى فلابد لنا من العمل بمنهجية دقيقة في تحقيق ألفاظ اللهجة, تبدأ أولاً بتحديد معنى المفردة كما هو متعارف عليه عند العامة ومن بعد تبدأ عملية البحث عن أصل اللفظ إذا كان ورد في المعاجم العربية بنفس المعنى أو أن جذر الكلمة موجود بينما حدث تطور دلالي للفظة أو أن اللفظة قد تكون من أصل غير عربي. ويجب الأخذ في الاعتبار أن العديد من الألفاظ العامية في أي قطر من الأقطار العربية, في حال كونها من أصل عربي, قد خضع لتطور معين إما في تركيبه, من إبدال حروف أو حذف حروف معينة, أو في دلالة المفردة, من تعميم وتخصيص, أو أن اللفظة عبارة عن اصطلاح تعارفت عليه العامة وهو مشتق من لفظة أخرى عربية.
وفي مثل هذه الدراسات يجب أيضاً التفريق بين المفردات القديمة ومفردات الحضارة الحديثة, ففي البحرين هناك خصوصية للمفردات القديمة بسبب وجود ارتباط بين تلك المفردات ولهجة خاصة, فالمفردات المتعلقة بالمهن الحضرية كالزراعة وصناعة الفخار والنسيج والحدادة وحتى الصناعات المتعلقة بالبحر هذه المفردات مرتبطة أيضاً باللهجة البحرانية حيث أنه من الثابت تاريخياً, كما سبق أن أسلفنا, أن البحارنة هم من مارسوا هذه المهن وبالتالي فالبحث عن ألفاظ هذه المهن هو البحث في ألفاظ اللهجة البحرانية (Serjent 1968, Holes 2002 and Holes 2006). أضف إلى ذلك أن ألفاظ هذه المهن هي ألفاظ ارتبطت بالحضارة والاستقرار ومثل هذه الألفاظ قليلة, إن لم تكن نادرة, الذكر في المعاجم اللغوية القديمة, وربما يعود سبب قلة ذكر هذه الألفاظ أنها من أصل سامي لكنها ليست عربية أو رب
الأصوات اللغوية في التركية والعربية :
دراسة تقابلية
أمر الله إيشلر
أستاذ مشارك، قسم اللغات الأجنبية، كلية التربية، جامعة غازي، أنقرة، تركيا
أستاذ زائر، قسم اللغات الآسيوية، كلية اللغات والترجمة،
جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية
ملخص البحث:
الأصوات اللغوية محدودة في كل اللغات، وعلى هذا هناك تشابه بين غالبية الأصوات ولكن في نفس الوقت يوجد اختلاف في بعضها بين اللغات. و مما لا شك فيه أنه يصعب على متعلمي اللغة الأجنبية نطق الأصوات الجديدة عليهم. أعد هذا البحث للقيام بدراسة تقابلية بين أصوات اللغة التركية كلغة منشودة والعربية كلغة أم. وانطلاقا من الصورة القوية لفرضية التحليل التقابلي تم تحديد أوجه الشبه والخلاف بين فونيمات التركية والعربية. وتطرق البحث إلى الصعوبات التي من المحتمل أن يواجهها الطلاب العرب و شخصت هذه الصعوبات بتقديم أمثلة من أخطاء الطلبة السعوديين. بالإضافة إلى ذلك تناول البحث الدور السلبي للكلمات العربية الدخيلة على التركية في نطق اللغة التركية نطقا صحيحاً بالنسبة للطلاب العرب مقدمة
لا شك أن طلبة اللغات الأجنبية يقعون في أخطاء كثيرة منها الأخطاء الصوتية، ويلعب نقل الأنظمة الصوتية من اللغة الأصلية أثناء تعلم لغة أجنبية دورا سلبياً في الوقوع فـي أخطـاء صوتية. وقد قال روبرت لادو حين تناول كيفية المقارنة بين نظامين صوتيين ما نصه: "تشير الدلائل التي بين أيدينا إلى أننا عندما نتعلم لغة أجنبية نميل إلى نقل نظام لغتنا بكامله إلى اللغة الأجنبية، فننقل إليها فونيمات لغتنا وبدائلها الصوتية، وننقل النبر وأنماط الإيقاع والوقف وأنماط التنغيم وتفاعلها مع الفونيمات الأخرى." [1، ص 11].
بعدما أشار لادو إلى هذه النقطة المهمة ذكر الحاجة إلى مقارنة الأنظمة الصوتية قائلاً: "نستطيع أن نرى الآن بصورة أوضح مدى الحاجة إلى مقارنة النظامين الصوتيين الأصلي والأجنبي كوسيلة للتنبؤ بالمشكلات النطقية و وصف ما يتعلق منها بأداء المتكلمين بلغة معينة عندما يدرسون لغة أخرى. ونسبة لأن النقل يحدث عادة في اتجاه واحد، أي من اللغة الأصلية إلى اللغة الأجنبية فإن المعالجة تختلف إذا اعتبرنا اللغة الإنجليزية لغة أجنبية عنها فيما لو اعتبرناها لغة أصلية." [2، ص 11-12].
هناك ثلاث صور لفرضية التحليل التقابلي وهي الصورة القوية، والصورة الضعيفة، والصورة الوسطى. تركز هذه الصور كلها على دراسة المشكلات التي يواجهها الطلاب في تعلم اللغة الأجنبية وذلك بالتقابل بين اللغة الأصلية للدارس واللغة المنشودة. والصورة الأولى من هذه الصور والمسماة بالصورة القوية اقترحها لادو في كتابه الشهير Linguistics Across Cultures حيث قال فيه: "… تلك العناصر التي تشابه لغة الدارس الأصلية تكون سهلة بالنسبة له في حين تصعب عليه المجالات التي تختلف عما في لغته." [3، ص 2]. ولا ريب أن الدراسات التقابلية تساعد على التنبؤ بالمشكلات التي يواجهها الدارسون في تعلم اللغة الثانية، فالصورة القوية لفرضية التحليل التقابلي تتنبأ بالمشكلات مسبقا، في حين أن الصورة الضعيفة للفرضية تتنبأ بالمشكلات لاحقا، أما الصورة الوسطى فتقول إنه كلما قلت الاختلافات بين النظامين ازدادت المشكلات بسبب الصعوبة في التصنيف. [4].
ومن المعلوم أنه وجهت انتقادات شديدة لنظرية التحليل التقابلي وظهرت مقابلها نظرية تحليل الأخطاء [5] حيث يرى دعاة هذه النظرية بأنه يمكن التعرف على الصعوبات التي يواجهها الدارسون أثناء تعلمهم عن طريق تحليل أخطائهم. ومما لاشك فيه أن لكل نظرية جوانب إيجابية وجوانب سلبية. وعلى الرغم من أن نظرية التحليل التقابلي لا تفسر كل الصعوبات التي يواجهها متعلمو اللغة الأجنبية إلا أنها مفيدة للمعلم و للطالب ولمصمم الاختبارات. فانطلاقاً من تجاربنا الطويلة في تعليم العربية للأتراك وللقازاقيين ومن تجاربنا في تعليم التركية للطلبة السعوديين نرى أنه يمكن تفسير كثير من الصعوبات الصوتية التي يواجهها طلاب اللغة الأجنبية معتمداً على فكرة لادو القائلة بالتنبؤ المسبق.
وعلى هذا نريد تسليط الضوء على الصعوبات التي يمكن أن يواجهها دارسو اللغة التركية من العرب بصفة عامة ومن السعوديين بصفة خاصة في أصوات اللغة التركية وذلك بتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين النظامين الصوتيين، فلا بد لهذا التحديد من القيام بالتقابل بين الأصوات الموجودة في اللغتين التركية كلغة منشودة والعربية كلغة أم.
أصوات اللغة التركية [6]
إن للغة التركية تسعة وعشرين فونيما قطعيا منها ما هو صائت و منها ما هو صامت.
أولاً: الصوائت
عدد الصوائت في اللغة التركية ثمانية و هي: /a, e, ı, i, o, ö, u, ü/ يمكن تناول هذه الصوائت من عدة نواح:
1- حسب المخارج
إن الصوائت التي تخرج من مؤخرة اللسان والفم مفخمة، في حين أن الصوائت التي تخرج من مقدمة اللسان والفم مرققة. فبناءً عليه تنقسم الصوائت من حيث المخرج إلى صوائت مفخمة و صوائت مرققة، وهي:
- صوائت مفخمة : /a, ı, o, u/
- صوائت مرققة : /e, i, ö, ü/
2- حسب وضع الشفتين
إن الصوائت التي لا تتدور الشفتان أثناء نطقها مستوية (غير مدورة)، في حين أن الصوائت التي تتدور فيها الشفتان أثناء نطقها مدورة.
- صوائت مستوية : /a, e, ı, i/
- صوائت مدورة : /o, ö, u, ü/
3- وضع الفم والتجويف
إن الأصوات التي يكون أثناء نطقها الفك الأسفل مفتوحاً بدرجة زائدة ويكون التجويف واسعا تسمى صوائت مبسوطة، في حين أن الصوائت التي يكون أثناء نطقها الفك الأسفل مفتوحاً بدرجة قليلة ويكون التجويف ضيقاً يسمى صوائت مقبوضة.
- صوائت مبسوطة : /a, e, o, ö/
- صوائت مقبوضة : /ı, i, u, ü/
4- حسب المدة
الصوائت القصيرة مدتها طبيعية، أما مدة الصوائت الطويلة أطول بالنظر إلى مدة الصوائت القصيرة، فعليه هناك سبعة من صوائت التركية قصيرة، في حين أن صائت /ı/ أقصر من الطبيعي. فلا توجد في الكلمات تركية الأصل صوائت طويلة بل توجد في الكلمات الدخيلة فقط.
الشكل رقم (1). فونيمات الصوائت في اللغة التركية
ثانياً: الصوامت
عدد فونيمات الصوامت في اللغة التركية واحد وعشرون وهي:
/b, c, ç, d, f, g, ğ, h, j, k, l, m, n, p, r, s, ş, t, v, y, z/ يمكن تناول هذه الصوامت من عدة جوانب:
1- من حيث الجهر والهمس
ثلاثة عشر من صوامت اللغة التركية مجهورة، وثمانية منها مهموسة.
- صوامت مجهورة : /b, c, d, g, ğ, j, l, m, n, r, v, y, z/
- صوامت مهموسة: /ç, f, h, k, p, s, ş, t/
2- من حيث طريقة النطق
يمكن تناول صوامت اللغة التركية من حيث النطق كالآتي:
- صوامت وقفيـة (انفجارية) : /b, d, g, k, p, t/
- صوامت احتكاكية : /f, ğ, h, j, s, ş, v, z/
- صوامت أنفية : /m, n/
- صوامت جانبية : /l/
- صوامت تكرارية : /r/
- صوامت مزجية : /c, ç,/
- صوامت انزلاقية (شبه صائتة) : /y/
3- من حيث مكان النطق
تنقسم صوامت التركية إلى ما يلي:
- صوامت شفتانية : /b, m, p/
- صوامت شفوية أسنانية : /f, v/
- صوامت أسنانية : /d, l, n, r, s, t,z/
- صوامت لثوية غارية : /c, ç, j, ş/
- صوامت حنكية أمامية : /g, k, ğ, y/
- صوامت حنكية خلفية : /g, k, ğ/
- صوامت حنجرية : /h/
شفتاني شفوي أسناني أسناني لثوي غاري حنكي أمامي حنكي خلفي حنجري
وقفي(انفجاري) b, p d, t [ ] [c]
g, k
احتكاكي f, v s, z j, ş [γ] ğ h
أنفــــي m n
مــزجـــي c, ç
جانبــي l
تكراري r
شبه صائت y
الشكل رقم (2). فونيمات الصوامت في اللغة التركية
أصوات اللغة العربية [7]
إن للغة العربية أربعة وثلاثين فونيما قطعيا ستة منها صوائت والبقية صوامت. الصوائت الأساسية في العربية وهي الفتحة والكسرة والضمة لا تمثل برموز مستقلة في الأبجدية العربية كالصوامت والصوائت الطويلة وبناء على هذا فإنها غالبا لا تستعمل في الكتابة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة الأبجدية العربية، ولو كانت العربية قد كتبت بأبجدية أخرى ربما كانت قد مثلت برموز مستقلة كما هو الحال في اللغات الأخرى.
أولاً: الصوائــــت
بل الخوض في عرض الموضوع لا بد من الإشارة إلى أنه اُستخدمت وما زالت تُستخدم اصطلاحات مختلفة حول صوائت العربية منها: الحركات، الحروف الهوائية، أصوات الجوف، أصوات العلة، أصوات المد، أصوات اللين، المصوتات. ولكننا سنستعمل في هذا البحث مصطلح الصوائت الذي يكاد يجمع عليه اللغويون في الآونة الأخيرة. ويشمل مصطلح الصوائت القصيرة والطويلة.
توجد في العربية ستة صوائت ثلاثة منها قصيرة و يشار إليها بالحركات /-َ/ ، /-ِ/ ، /-ُ /؛ وثلاثة أخرى طويلة و ترمز لها بحروف المد / ا، و، ي /. يمكن تناول صوائت اللغة العربية من عدة جوانب.
1- من حيث القصر والطول: هناك ثلاثة صوائت قصيرة و أخرى طويلة، وهي:
- صوائت قصيرة : الفتحة /-َ/ /a/، والكسرة /-ِ/ /i/، والضمة /-ُ / /u/.
- صوائت طويلة : /ا، و، ي/ /a:, u:, i:/ أو /aa, uu, ii /
2- من حيث ارتفاع اللسان في الفم: و تنقسم إلى ثلاث:
- صوائت عالية : وهي الكسرة القصيرة والكسرة الطويلة والضمة القصيرة والضمة الطويلة.
- صوائت وسطية : وهي الفتحة القصيرة.
- صوائت منخفضة : وهي الفتحة الطويلة.
3- من حيث جزء اللسان الذي يشترك في نطقها:
- صوائت أمامية : وهي الكسرة القصيرة والكسرة الطويلة.
- صوائت مركزية : وهي الفتحة القصيرة والفتحة الطويلة.
- صوائت خلفية : وهي الضمة القصيرة والضمة الطويلة.
4- من حيث وضع الشفتين: وتنقسم إلى اثنين:
- صوائت مدورة : وهي الضمة القصيرة والضمة الطويلة.
- صوائت غير مدورة (مبسوطة): وهي الفتحة القصيرة والطويلة والكسرالقصيرة والطويلة.
الشكل رقم (3). فونيمات الصوائت في اللغة العربية
ثانياً: الصوامت
يوجد في اللغة العربية ثمانية وعشرون صامتا وهـــي:
/ء (همزة القطع)، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي/
وفي الوقت نفسه يعتبر اثنان من هذه الصوامت شبه صائتة وهما / و، ي/. يمكن تناول هذه الصوامت من عدة جوانب:
1- من حيث الجهر والهمس:
- وامت مجهــورة : / ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، و، ي/
- وامت مهموسـة: / ء، ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ط، ف، ق، ك، هـ/
2- من حيث طريقة النطق:
- صوامت وقفية (انفجارية) : / ء، ب، ت، د، ط، ض، ق، ك/
- صوامت احتكاكية: / ث، ح، خ، ذ، ز، س، ش، ص، ظ، ع، غ، ف، هـ/
- صوامت أنفية:/ م، ن/
- صوامت جانبية : / ل/
- صوامت تكرارية : / ر/
- صوامت مزجية : / ج/
- صوامت انزلاقية (شبه صائتة): / و، ي/
3- من حيث المخرج:
- صوامت شفتانية : / ب، م، و/
- صوامت شفوية أسنانية : / ف/
- صوامت أسنانية : / ت، د، ط، ض/
- صوامت بيأسنانية : / ث، ذ، ظ/
- صوامت لثوية : / ر، ز، س، ص، ل، ن/
- صوامت لثوية غارية : / ج، ش/
- صوامت غارية : / ي/
- صوامت طبقية : / خ، غ، ك/
- صوامت لهوية : / ق/
- صوامت حلقية : / ح، ع/
- صوامت حنجرية : / ء، هـ/
شفتاني شفوي أسناني أسناني بيأسنانية لثوي لثوي غاري غاري طبقي لهوي حلقي حنجري
وقفي
(انفجاري) ب ت، د
ض،ط ك ق ء
احتكاكي ف ث، ذ، ظ ز،س، ص ش خ، غ ح،ع هـ
أنفي م ن
مزجي ج
جانبي ل
تكراري ر
شبه صائت و ي
الشكل رقم (4). فونيمات الصوامت في اللغة العربية
دراسة تقابلية للأصوات في اللغتين التركية والعربية
أولاً: الصوائت
يمكن لنا أن نستخلص مما قدمنا أعلاه عن الصوائت في اللغتين ما يلي:
1- أوجه الشبه
تقابل صوائت اللغة العربية القصيرة أربعة من صوائت التركية، أي أن
- الفتحة القصيرة تقابل /a,e/
- وتقابل الضمة القصيرة /u/
- وتقابل الكسرة القصيرة /i/.
2- أوجه الخلاف
أ ) عدد الصوائت في اللغة التركية ثمانية في حين عدد الصوائت القصيرة في العربية ثلاثة فقط، لذلك ليس هناك مقابل لبعض الصوائت التركية في العربية وهي: /ı, o, ö, ü/
ب) لا توجد في اللغة التركية صوائت طويلة، في حين توجد في العربية ثلاثة صوائت ويلة. أما في التركية فجميع الصوائت قصيرة ما عدا صائت /ı/ فهو أقصر من الطبيعي
ثانياً: الصوامت
يمكن لنا أن نستخلص مما قدمنا أعلاه عن الصوامت في اللغتين التركية والعربية ما يلي:
1- أوجه الشبه
أ ) الصوامت المشتركة في اللغتين ما يلي: /ب/ /b/، /ت/ /t/، /ج/ /c/، /د/ /d/، /ر/ /r/، /ز/ /z/، /س/ /s/، /ش/ /ş/، /ف/ /f/، /ك/ /k/، /ل/ /l/، /م/ /m/، /ن/ /n، /هـ/ /h/، /ي/ /y/.
ب) الصوامت الأنفية في اللغتين هــي : / م/ /m/، /ن/ /n/.
الصوتيات عند ابن جني
في ضوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة
عبد الفتاح المصري
المقدمة:
*لعل من أبرز التطورات التي شهدها العلم في مطلع هذا القرن، ظهور علم جديد جنح إلى دراسة اللغة – هذه الظاهرة البشرية المتميزة – دراسة علمية، ونظر إليها على أنها ظاهرة طبيعية يمكن أن تخضع لما تخضع له ظواهر الطبيعة الأخرى من اختبار علمي ينتهي إلى قوانين ثابتة، ونعني به علم اللسانيات(1).
*لكن هذا العلم لم يظهر في ميدان العلوم الإنسانية، ويزاحمها، ليحتل مكان الصدارة دونما مقدمات فلقد كانت له جذوره الضاربة في أعماق الماضي، فنجد بدايته عند الهنود واليونان ثم العرب. وإذا كان من مؤرخي هذا العلم من غفل أو تغافل عن دور العرب في بناء صرح علم اللسانيات الحديث، وإذا وجد اليوم من يزعم ويردد أن هذا العلم وليد الحضارة الغربية، في أحضانها نشأ، وفي أرضها ترعرع حتى استوى عوده، فإن هذا أو ذاك لا ينفي حقيقة واقعة تؤيدها النصوص الثابتة، تقول: إن للعرب فضل السبق في بحث جوانب في علم اللسانيات، وصلوا فيها إلى نتائج يحق لهم أن يفاخروا بها الأمم.
*وهذه الدراسة محاولة لبيان بعض صنيع العرب في جانب توليه اللسانيات الحديثة عناية كبيرة حين تدرس لغة ما، هو الجانب الصوتي، فلقد بات من المعروف أن اللغة – أي لغة – تدرس اليوم من جوانب أربعة هي:
1-جانب الأصوات: Phonology-Phonetics.
2-جانب بناء الكلمة: Morphology.
3-جانب بناء الجملة: Syntax.
4-جانب الدلالة: Semantics.
والجانب الصوتي هو الأول والأهم، وعليه العمدة في دراسة الجوانب الثلاثة الأخرى، ويدور حوله معظم الدراسات اللسانية المعاصرة، ولأهميته مظاهر لسنا بصدد بيانها، إلا أن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن العرب تنبهوا قديماً على قيمة الصوتيات الكبيرة في الدرس اللغوي، وكان لهذا التنبيه مظاهر متعددة سنذكر أبرزها، كما يعنينا أن نقول: إن بين العرب علماء لغويين أفذاذاً، لا يقلون في الأهمية عما يعرف الغرب وغيره اليوم من علماء أمثال سوسير وتشومسكي وجكبسون، بل قد يفوقون هؤلاء في ميادين مختلفة من البحث اللغوي العلمي، ولعل في طليعة من نفاخر بهم العالم ابن جني الذي من أجله صنعنا هذه الدراسة، فلقد كانت لهذا الرجل صولات وجولات في ميادين لغوية شتى، ما تزال تذكر له بعد ما يزيد على عشرة قرون.
*والذي يهمنا الآن أن نتحدث عما كتبه في الصوتيات خاصة، بقصد بيان موقعه من الدراسات اللغوية العربية السابقة عامة، ومن دراسات اللغويين الأجانب المحدثين خاصة، في سبيل إيضاح ما ذكرنا من فضل للعرب، ولهذا نرى أن نبدأ برصد أبرز ظواهر العناية بالصوتيات عند العرب، فإذا جلوناها استطعنا أن نعرف مدى تأثر ابن جني بمن سبقه، حين نقف عند مظاهر عنايته بالصوتيات وقفة فيها بعض الطول، نتبين فيها من طرف آخر موقع دراساته الصوتية من الدراسات اللغوية المعاصرة عن طريق الربط أو المقارنة، فإذا تم لنا ذلك كله انتهينا إلى خلاصة دراستنا ونتيجتها.
ب-الصوتيات العربية قبل ابن جني
1-البدايات:
*عناية العرب بالصوتيات قديمة تعود إلى اليوم الذي بدأ فيه اللحن، فأصاب العربية في أصواتها كما أصابها في نحوها وصرفها ودلالاتها، فالرواية التي تقول أن أعرابياً قرأ الآية القرآنية الكريمة (إن الله بريء من المشركين ورسوله( بكسر لام رسوله بدلاً من ضمها، يفهم منها أن لحن الأعرابي كان لحناً صوتياً مس حركة اللام، وهي صوت، فنشأ عن هذا خطأ في الدلالة، وهو لحن كان مع أمثال له حافزاً لأبي الأسود الدؤلي (-67هـ) على أن يضع نقط الإعراب.
*ثم إن قوله للكاتب، وهو يتلو عليه (إذا رأيتني قد فتحت فمي بحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت فمي، فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن اتبعت شيئاً من ذلك غنة (تنويناً) فاجعل النقطة نقطتين)(2) إنما يدل على أن أبا الأسود لاحظ أثر الشفتين في نوعية الصوت الذي يسميه المحدثون بالصائت (Vowel)، فحين سمى الحركات القصيرة فتحة وضمة وكسرة اعتمد على شكل الشفتين ووضعيهما عند النطق، وفي هذا إشارة إلى خاصة مهمة من خواص الحركات، ثم إن هذا الأساس في التنقيط عضوي فيزيولوجي يعتمده الدرس الصوتي الحديث(3). فصنيع أبي الأسود إذن، إن كان يهدف إلى المحافظة على لغة القرآن، فهو صنيع متصل بالصوتيات أوثق الصلة، كما أن نقط الإعجام الذي قام به من الدوافع إليه المحافظة على أصوات العربية سليمة.
*اعتماداً على ما سبق يمكننا أن نقول أن نشأة الصوتيات العربية قديمة كانت في أحضان لغة القرآن الكريم.
2-جهود واتجاهات في الدرس الصوتي:
*لعله من المفيد أن نعرض أبرز جهود العرب في الدراسات الصوتية، وقبل هذا نذكر أن العرب لم يعالجوا الأصوات وحدها، إنما كانت معالجتهم لها مع قضايا لغوية أخرى، وكان لها قيمة تاريخية وعلمية، وهذه المعالجة أخذت اتجاهات متعددة فهي عند أصحاب المعاجم والنحاة والبلاغيين والمعنيين بإعجاز القرآن، وعلماء التجويد والقراءات القرآنية.
*أما أصحاب المعاجم، فهم أقدم من تحدث عن الصوتيات من العرب، والناظر في معجم العين – وهو أول معجم في اللغة العربية، ينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (-175)- يرى أن معجمه هذا من أهم الدراسات الصوتية، وخاصة مقدمته التي تنم عن حس لغوي دقيق، فلقد أحسّ الخليل بكثير من جوانب المشكلة الصوتية، إذ تحدث عن مخارج الحروف وصفاتها من همس وجهر وشدة ورخاوة ونحوها، وعما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغيير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وذكر عدداً من القوانين الصوتية، وعدداً من المسائل الصوتية واللهجية والقراءات.
*ولعل أهم ما يستوقف النظر في صنيع الخليل ترتيبه معجمه على أساس صوتي، وهو صاحب الفكرة الرائدة في ترتيب الحروف حسب مخارجها، وقد رتبها على النحو التالي:
ع ح هـ خ غ – ق ك – ج ش ض – ص س ز – ط د ت – ظ ذ ث – ر ل ن – ف ب م – و ا ي ء.
*لقد خالف الخليل في ترتيبه هذا ترتيب نصر بن عاصم الهجائي الذي يقوم على تشابه الحروف في صور الكتابة، ويهمل الجانب النطقي. إذ أنه عرف بحسه الدقيق أن اللغة منطوقة قبل أن تكون مكتوبة، وهذا أمر تتفق فيه اللغات جميعها، ولذا رتب الحروف على أساس نطقي نظر فيه إلى مخارج الأصوات في جهاز النطق، واعتمد على تذوقه للحروف، وذلك بأن يصدر كلاً منها بألف مهموزة يتبعها الحرف المقصود بالترتيب ساكناً، وقد بحث عن أعمق الأصوات في المخرج، فوجده الهمزة، والأمر كذلك في اللغات كلها، ولكنه لم يبدأ بها لأنها متقلبة لا تستقر على حال، ولا صورة ثابتة لها في النطق أو الكتابة، ثم قارن بين العين والحاء فوجد أن العين أنصع أي أوضح في النطق السمعي، فبدأ بها، ثم وضع بعد العين أختها وهي الحاء، ثم أتى بالهاء(4) وعلى هذا النحو مضى يرتب الحروف ترتيباً يثير تساؤلات في مواضع بعض الحروف إذا ما قارناه بالترتيب الحديث، كموضع الواو والألف والباء ثم العين والهاء، فليس لحروف العلة مخرج محدد، كما أن العين ليست هي الأسبق، وليست الهاء أخت العين في المخرج، ولكن الترتيبين، مع ذلك، يتفقان في الأساس الصوتي الذي يقومان عليه.
*وقد قسم الخليل الحروف إلى طوائف، وأعطى كلاً منها اسماً خاصاً، فالعين والحاء والخاء والغين حلقية لأن مبدأها من الحلق، والقاف والكاف لهوية لأن مبدأها من اللهاة، واعتمد في وصفه للأصوات على ما يحسه بنفسه من اختلاف في أوضاع أعضاء النطق معها، وعلى العملية العضوية التي يقوم بها المرء عند صدور كل صوت، وعلى وقع هذا الصوت في أذن السامع دون أن يكون لديه شيء من الإمكانات الحديثة من آلات تسجيل أو تصوير أو معرفة بنظريات التشريح(5)، وغير خاف، بعد هذا، أن درس الخليل الصوتي يدل على عبقرية صاحبه ويدعو إلى الإقرار بفضل السبق والريادة فيه، وإن كان للمحدثين مآخذ عليه، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن ترتيبه للحروف سار عليه طائفة ممن جاء بعده من أصحاب المعاجم كالأزهري في تهذيب اللغة، وابن سيدة في المحكم، والقالي في البارع.
*ونصل إلى النحاة لنرى أنهم عنوا بالصوتيات بوصفها مدخلاً لدراسة الصرف من إدغام وإعلال وإبدال، ونحو ذلك، فهذا سيبويه (-180 هـ) يتحدث في باب الإدغام عن عدد حروف العربية ومخارجها وصفاتها، ثم يقول في نهاية الباب(6) (وإنما وصفت لك حروف المعجم بهذه الصفات لتعرف ما يحسن فيه الإدغام، وما يجوز فيه، وما لا يحسن فيه ذلك، ولا يجوز فيه، وما تبدله استثقالاً كما تدغم، وما تخفيه، وهو بزنة المتحرك) (وقد فصل النحاة القول في وصف مخارج الحروف وصفاتها فرادى، ثم تناولوا بالدراسة ما رواه فيها داخلاً في حيّز الإدغام، كما فهموه، وذلك مثل إدغام المتماثلين مخرجاً والمتقاربين مخرجاً والمشتركين في طرف اللسان، ثم الإدغام بالصفة مثل إدغام المجهور والمهموس معاً بأن يصيرا معاً إلى الجهر أو إلى الهمس وبعض أمثلة القلب، وبعض الأمثلة الشاذة)(7).
*ولعل خير من يمثل النحاة في حديثهم عن الأصوات أصدق تمثيل، سيبويه صاحب الكتاب المشهور الذي يعده كثيرون المصدر الأول لعلم الأصوات العربي، وقد يضعه بعضهم بعد كتاب العين في المرتبة، وفيه لخص سيبويه آراء أستاذه الخليل بدقة وأمانة في آخر الكتاب، وقد ورث عنه، فيما ورث وصفاً دقيقاً لأصوات العربية في مخارجها وصفاتها.
*أما عن ترتيب سيبويه للحروف، فقد خالف فيه ترتيب أستاذه الخليل في بعض المواضع، فكان على النحو التالي:
ء ا هـ ع ح غ خ ك ق ض ج ش ي ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.
وجعل لهذه الحروف ستة عشر مخرجاً، للحلق منها ثلاثة، وفي كل منها صوتان دون القصد إلى ترتيبهما كما يفعل المحدثون، وخصص لأصوات الفم ثلاث مناطق في أقصاه وأدناه ووسطه، وحدد لكل صوت أو مجموعة من الأصوات مخرجاً معيناً، ووصفه وصفاً دقيقاً، وميز بين الشديد والرخو، وبيَّن المجهور والمهموس على خلاف في بعض الحروف مع ما تقره الدراسات المعاصرة، فهو، مثلاً يعد الضاد رخوة، وهي شديدة، ويعد القاف والطاء مجهورين، وهما مهموستان.
*وإذا كان سيبويه قد درس اللغة بادئاً بالجملة ثم الكلمة ثم الصوت، على عكس ما يفعل المحدثون، وإذا كان وصفه للأصوات في آخر كتابه دليلاً على أن النحاة لم يكونوا يقدرون العلاقة العضوية التي تربط بين الأصوات والنحو حق قدرها، كما يرى بعضهم(8)، فإن هذا أو ذاك لا ينال من قيمة الكتاب، ومن كون دراسة سيبويه للأصوات دراسة متميزة، فقد حصر اللغة مع أستاذه الخليل، ووصفاها بدقة، وأسساها على قواعد جعلت طائفة من اللغويين ممن أتى بعدهما تترسم خطاهما، وتسير على آثارهما، كالمبرد في المقتضب والزمخشري في المفصل والزجاجي في الجمل، كما أن لما فعله هذان العالمان الكبيران قيمة كبيرة تبدو على نحو واضح حين يقارن بتفصيل ودقة مع ما نعرف اليوم من دراسات مماثلة.
ومن الذين تنبهوا على ظواهر صوتية الأديب والناقد المعروف الجاحظ (255 هـ)، إذ عرف بعض الأمراض اللغوية، ونجد في كتابه (البيان والتبيين) خاصة معالجة علمية دقيقة للأصوات التي تدخلها اللثغة(9)، وتحدث عن أوصاف هذا المرض ومراتبه الاجتماعية، واقترح بعض العلاجات الطبيعية على نحو ما يعالج في أمريكة اليوم(10) وقد أدرك الجاحظ صلة الأمراض اللغوية بالمجتمع، فدرس التلعثم على ثلاثة مستويات اجتماعية هي مستويات الفصحاء والعوام والأعاجم، وعرف اختلاف اللهجات، ودرس التبدلات الصوتية للغة العربية عند الأعاجم، وهذا ما تنبهت عليه الدراسات الحديثة، كما أشار إلى اقتران الحروف فرأى مثلاً أن (الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير، والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير)(11).
*ونمضي خطوة أخرى، نتصفح كتب التراث العربي فنجد المؤلفين في إعجاز القرآن قد اعتنوا بمخارج الحروف، وعرفوا صلة هذه المخارج بتلاؤم الحروف وتنافرها، ولعل من أشهر هؤلاء أبا الحسن الرماني (- 386 هـ) الذي رأى أن التلاؤم نقيض التنافر، وضرب أمثلة له، وأشار إلى أن الفائدة منه (حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ. وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصوت وطريق الدلالة)(12)، كما ذكر أن (مخارج الحروف مختلفة، فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسائط بين ذلك(13)، ثم تحدث عن فواصل القرآن، ورأى أنها على وجهين أحدهما على الحروف المتجانسة والآخر على الحروف المتقاربة، وضرب أمثلة لذلك.
*إلا أن الذين عنوا بالصوتيات عناية قد تفوق عناية غيرهم هم العارفون بتجويد القرآن الكريم وعلماء قراءاته، فأما الأولون، فلا يخلو كتاب لهم من كلام عن مخارج الحروف وطريقة نطقها(14)، وقد اعتنوا بالإدغام عناية خاصة، وأفاضوا فيه، يدفعهم إلى ذلك كله حرصهم على إتقان ترتيل كتاب الله وتجويد نطقه، وعنايتهم بالأصوات أدت إلى ظهور مراتب التجويد من ترتيل وتدوير وحدر، وظهور مصطلحات صوتية مهمة في وقت مبكر كالإشمام والروم والاختلاس والإمالة والتخفيف والتفخيم(15).
*وأما علماء القراءات، فقد أعانهم على العناية بالجانب الصوتي أن قراءات القرآن الكريم كانت متواترة بالتلقي الشفوي، ويطول بنا القول إذا تحدثنا عن الصوتيات عند من ألف في القراءات، لذا سنكتفي بمثل واحد يشير إلى عنايتهم بها ننقله عن ابن خالويه (- 370)(16) قوله تعالى: (فيه هدى( يقرأ بالإدغام والإظهار، فالحجة لمن أدغم مماثلة الحرفين لأن الإدغام على وجهين مماثلة الحرفين ومقاربتهما، فالمماثلة كونهما من جنس واحد، والمقاربة أن يتقاربا في المخرج كقرب القاف من الكاف، والميم من الباء واللام من النون، وإنما وجب الإدغام في ذلك لأن النطق بالمتماثلين والمتقاربين ثقيل، فخففوه بالإدغام، إذ لم يمكن حذف أحد الحرفين..).
3-أسباب العناية بالصوتيات:
*لعله قد ظهر لنا من خلال العرض السابق أن أئمتنا الأوائل اعتنوا بالظواهر الصوتية عناية واضحة، أما لماذا كانت هذه العناية؟ فلقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوتيات العربية نشأت في أحضان لغة القرآن، ونؤكد الآن أن عنايتهم بها كانت، بالدرجة الأولى، سعياً وراء هدف سام نبيل هو المحافظة على كتاب الله وصيانته من اللحن والتحريف، أضف إلى ذلك أنهم أدركوا منزلة الدراسة الصوتية في العلوم اللغوية وارتباطها الوثيق بما عالجوا من قضايا نحوية وصرفية ودلالية وبلاغية. وهذا يذكرنا بما نعرفه في اللسانيات الحديثة من صلة درس الجانب الصوتي في اللغة بدرس الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة.
*ثم إن علوم العرب اللغوية نشأت أول ما نشأت على السماع، فبه حملوا الشعر عن الرواة وحملوا القرآن الكريم والحديث النبوي، وعليه اعتمدوا في نقد عيوب الشعر، وفي تقعيد القواعد، وعليه أيضاً انبنى علم التجويد والقراءات، وعلى هدي منه اتخذت بعض معايير الفصاحة وبه قبست لغات القبائل المذمومة ولهجاتها(17).
*فهذه الأمور الثلاثة كانت من جملة الأسباب التي تضافرت على جعل علمائنا الأقدمين يهتمون بالدرس الصوتي على النحو الذي رأيناه، وسنراه عند ابن جني.
4-الأصالة والسبق:
*رأينا فيما تقدم، أن للعرب قدماً ثابتة وباعاً طويلة في الدراسات الصوتية، ونذكر الآن أن لهم فضل السبق في الوصول إلى نتائج وحقائق علمية صوتية في غاية الدقة، ذلك أن من العلماء والمستشرقين الأجانب، بل من الباحثين العرب المحدثين من يقول أن الصوتيات العربية متأثرة ببحوث الأمم السابقة على العرب كالهنود واليونان، وعنهم نقلوها(18)، ولعل ما ساعد على هذا القول أمران اثنان هما إهمال المسلمين للدراسات الصوتية في عصر الدول المتتابعة، وكون المستشرقين أول من تحدثوا عنها في عصر النهضة(19).
*وممن تولى الرد على الآخذين بهذا الرأي الدكتور كمال بشر، وهو أحد العلماء المختصين، فقال(20): (في رأينا أن دراسة العرب لأصوات لغتهم إنما هي دراسة أصيلة، ليست منقولة في منهجها أو طريق التفكير فيها عن غيرهم من الأمم، والقول بأنها ترجع إلى أعمال الهنود أو اليونان في دراساتهم الصوتية قول تعوزه الأدلة العلمية التي تستطيع أن تؤكد هذا الزعم أو تنفيه، على أن النظر الدقيق في جملة ما طلع علينا به علماء العربية في مجال الأصوات اللغوية يحملنا على الجزم بأن هؤلاء العلماء كانوا يصدرون عن عقليتهم الخاصة وثقافتهم العربية).
*ثم أتى بدليل على صدق قوله يتصل بمنهجهم في الدراسة الصوتية، فرأى أن هذه الدراسة تقوم على أساس نطقي، كما عند الغربيين، يعنى بالخواص النطقية للأصوات ووظائف جهاز النطق وحركات أعضائه عند إخراج الأصوات، وهذا مخالف لما سلكه اليونان، إذ اعتمد هؤلاء أولاً على الخواص السمعية للأصوات، وإذا كان منهج العرب يشابه منهج الهنود عامة، فإن فيه اختلافات كثيرة في التفصيلات، وهو منهج وصفي يعنى بدراسة الظاهرة اللغوية في معزل عن تطوراتها التاريخية، ويخلو من الافتراضات العقلية والمتاهات الفلسفية، ويقوم على أساس من أهم أسس البحث الصوتي اليوم وهو الملاحظة الذاتية.
*ورأى الدكتور بشر أيضاً أن فيما قام به العرب سبقاً تاريخياً وعلمياً، وإذا كان الهنود قد سبقوهم تاريخياً في الدرس الصوتي، فإن هذا لا ينفي أن يكون العرب رواداً فيه، فأبجديتهم، - كما يقول(21)- فيها مبادئ صوتية رائعة، ويتحقق فيها أحدث الآراء في الدرس الصوتي إذ أن فيها رمزاً واحداً لكل واحدة صوتية، ثم إن لهم سبقاً في إدراك معنى الجهاز النطقي ومعرفة وظيفته وطبيعته. وهذا سيتضح عند ابن جني خاصة، ولهم سبق أيضاً في ترتيب الأصوات حسب المخارج بدقة والعناية بتصنيفها وتقسيمها إلى مجموعات متداخلة.
*فحقيقة الأمر، إذن، أن دراسات العرب الصوتية تتسم بالأصالة، وفضل السبق، وقد عرف شيئاً من هذا غير واحد من العلماء المنصفين والباحثين المدققين الأجانب كالمستشرق برجشتراس، وفيرث الذي يقرر أن الدراسات الصوتية نشأت في أحضان لغتين مقدستين هما العربية والسنسكريتية، وقد اعترف جورج مونين صراحة بجودة الدرس الصوتي عند العرب فقال(22): (منذ القرن الثامن الميلادي كان علماء اللغة في البصرة يسعون إلى وصف لغتهم وصفاً صوتياً، وسواء أوجدوا تلقائياً علماً للأصوات جديراً بأن يذكرنا بالعلامة بانيني، أم أنهم اقتبسوا هذا العلم عنه، فتلك مشكلة على حدة، ولكن لا بد لنا –بادئ ذي بدء- أن نعترف بوجود هذا العلم في الأصوات وأنه علم فذ ممتاز)، ثم أن عالماً ألمانياً محدثاً هو (شاده) جعل موضوع رسالته لنيل شهادة الدكتوراه (علم الأصوات عند سيبويه) وفي هذا دليل على قيمة كتاب سيبويه –وقد رجح فيه أن العرب لم يقتبسوا علم الأصوات من أحد، وأنه من وضعهم واستنباطهم خدمة للقرآن الكريم وأدائه(23).
* على أنّ قضيتي الأصالة والسبق في درس العرب الصوتي، قد تبدوان على نحو أوضح إذا دققنا عند دراسات ابن جني خاصة وقفة تأمل وتدبر.
جـ-الصوتيات عند ابن جني
1-اللغة أصوات:
عرّف ابن جني اللغة بقوله(24) (إنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)، وهو تعريف هام يستوقف الباحث اللغوي الحديث، ذلك أنه تعريف دقيق يذكر أبرز الجوانب المميزة للغة، فهو يؤكد أولاً الطبيعة الصوتية لها، ويذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، كما يشير إلى اختلاف البنية اللغوية باختلاف المجتمعات الإنسانية، وهذه الجوانب الثلاثة تتناولها التعريفات الحديثة للغة(25)، والذي يهمنا في هذا المقام أولها، فقد نظر ابن جني إلى اللغة على أنها أصوات أو لا تحمل دلالات يقوم بها التفاهم بين البشر حين يتخاطبون، وعرف أن الأساس في الظاهرة اللغوية النطق، وهو أساس تقوم عليه أكثر الدراسات المعاصرة. إذ تعنى بالكلام المنطوق أولاً، وتدرسه من جوانب أربعة سبق ذكرها أولها وأهمها الجانب الصوتي، أما الكتابة فترى أنها تأتي في الدرجة الثانية، وما هي إلا محاولة لتصوير المنطوق قد تنجح وقد تخفق.
*ويتصل بما نحن فيه نص نقع عليه عند ابن جني يستوقف النظر، وهو قوله(26) (ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل)، وهذا النص يتعلق بإحدى النظريات المعروفة في نشأة اللغة، هي نظرية المحاكاة Onomatopoeia التي تقول إن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة،ولم يعز ابن جني هذا القول إليه، إلا أن أحداً لم يسبقه إلى ذكره، أضف إلى هذا أنه ركز القواعد التأسيسية لهذه النظرية في تراثنا العربي، فقلبها على أوجهها الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعاً هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة ثم المحاكاة التعاملية أي تعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني، وأخيراً التركيب السياقي(27). ومن الواضح عناية ابن جني بهذه النظرية، بل إن الجملة الأخيرة في القول الذي سقناه هنا صريحة في بيان رضاه عنها، ولا تحتاج إلى تأويل.
*بقي أن نقول إن الكثير من الباحثين اللسانيين اليوم يرون أن الحديث عن نشأة اللغة أمر غير ذي فائدة، ذلك أنه بحث في الغيبيات، ولا يوصل إلى حقائق يقينية يمكن الركون إليها والتسليم بها، وهو أقرب إلى الفلسفة اللغوية منه إلى البحث اللغوي العلمي(28)، ولكن إذا ما تحدث باحثون عن هذه النشأة رأيت منهم من يميل إلى الانتصار لما قاله ابن جني قبل عشرة قرون، فالقول بالمحاكاة اليوم أحد مذهبين مفترضين عند من يقول إنّ أصل اللغة اصطلاح ومواضعة لا توقيف وإلهام، وقد أخذ به معظم العلماء المحدثين مع تعديل طفيف، وعلى رأسهم العالم الإنكليزي وتني في القرن التاسع عشر(29)، فلابن جني إذن فضل السبق العلمي، وإن كان القول بالمحاكاة في اللغة لا يخلو من مبالغة، وإذا صح في ألفاظ قليلة، فإنه لا يصح إطلاقه وتعميمه على ألفاظ اللغة كافة.
2-علم الأصوات:
*كانت الأصوات الشغل الشاغل لابن جني، ولها في تفكيره اللغوي جذور عميقة، وعلى هدي منها عالج كثيراً من القضايا اللغوية، وخاصة ما اتصل منها بالصرف الذي كان فيه العلم الأول بلا منازع، ونرى هذا بوضوح في كتابيه سر الصناعة، والخصائص(30)، بل إن الصوتيات تطل بين الحين والحين من ثنايا ما شرحه من أشعار.
*وابن جني أول من جعل الأصوات علماً، وأطلق عليها هذا اللفظ الواضح الصريح قبل الغربيين بقرون، ودل به على دراسة الأصوات والبحث في مشكلاتها المختلفة على نحو مشابه للدرس الصوتي الحديث، أسمعه يقول(31) (هذا القبيل من هذا العلم. –أعني علم الأصوات والحروف- له تعلق ومشاركة للموسيقا لما فيه من صنعة الأصوات والنغم)، فقد أدرك إذن أن علم الأصوات علم قائم بذاته، وإن كانت كلمة علم لا تعني يومذاك ما نعنيه اليوم من أسس وقواعد منهجية دقيقة. وكلام ابن جني واضح الدلالة على أن الأصوات أخذ ينظر إليها في القرن الرابع الهجري على أنها يمكن أن تدرس درساً مستقلاً، كما كانت تدرس علوم اللغة، بالاصطلاح القديم، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، ويرى الدكتور كمال بشر أن مصطلح علم الأصوات عند ابن جني على الصورة التي رسمها لهذا العلم جاء سابقاً للمصطلح الأوروبي المقابل له وهو الفونيتيك Phonetics(32).
*وقد وردت تسمية علم الأصوات في كتاب من أهم كتب ابن جني هو (سر صناعة الإعراب)(33) وهو أول كتاب مستقل يؤلف في هذا العلم، إذ لم يعرف العرب قبله كتاباً موقوفاً على الأصوات وحدها، وهناك من يرى أنه أول كتاب في العالم مختص بالأصوات، ولا يقارن بكتاب بانيني العالم الهندي (القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد)، لأن ذلك الكتاب – ويسمى المثمن – لم يكن خاصاً بالأصوات، بل هو في النحو السنسكريتي عامة(34).
*جمع ابن جني في كتابه الدراسات الصوتية السابقة التي نشأت ضئيلة عند الخليل وسيبويه ثم تتابع عليها المعنيون بها من بعدهما، حتى وصلت على يده إلى القدر الذي يحويه هذا الكتاب، فقد كان القرن الرابع عصر تطور ونهضة في العلوم الإسلامية عامة، وجاء كتاب سر الصناعة موضحاً لمعالم الدراسات الصوتية التي عني بها أهل اللغة في هذا القرن في جملة ما عنوا به من علوم، ووسع مجال القول فيها، وقوى تأثيرها في فروع الثقافة الأخرى(35).
*أما موضوعات الكتاب فيمكن إجمالها فيما يلي:
1-وصف جهاز المنطق.
2-عدد حروف المعجم وترتيبها وذوقها.
3-وصف مخارج الحروف وصفاً تشريحياً دقيقاً.
4-الأجراس الطبيعية للحروف، وبيان صفاتها الطبيعية وتقسيمها إلى أقسام مختلفة.
5-ما يعرض للصوت عند بناء الكلمة ومقاربته لآخر من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف.
6-بيان الشاذ والمقيس من أنواع التغيير في الحروف، والاستشهاد عليه.
7-نظرية الفصاحة في اللفظ المفرد ورجوعها إلى تأليفه من أصوات متباعدة المخارج.
*وقد ذكر ابن جني أن غرضه من الكتاب هو الحديث عن الحروف، أي الأصوات، منفردة، لا على أساس أنها مؤلفة لأن الحديث عند ذاك يطول كثيراً، ويقود إلى استيعاب جميع اللغة، ودراسة الأصوات على هذا النهج يسميها علماً، لكن هذا لا يعني أنه لم يدرس الأصوات في حالة اجتماعها، بل قد فعل ذلك في ثنايا كتبه وخاصة كتابه الأشهر الخصائص، وهذا ما سيتضح في مراحل البحث التالية.
3-جهاز النطق:
يصدر الأصوات اللغوية جهاز في الإنسان يسمى تجوُّزاً بجهاز النطق Organs of Speech ذلك أن النطق وظيفة ثانوية له، ساعدت على خلقها الضرورة الاجتماعية والذكاء الإنساني، وهذا الجهاز مكوّن من جملة من الأعضاء أكثرها ثابت وهي الأسنان واللثة والغار والجدار الخلفي للحلق، وبعضها قابل للحركة وهي الشفتان، والأسنان والفك الأسفل والطبق، وفيه اللهاة والحنجرة والأوتار الصوتية(36).
*ولو تتبعنا رحلة الصوت منذ خروجه من الرئتين، لرأيناه – باختصار – يسير في مجرى القصبة الهوائية. وفي أعلاها وأسفل الفراغ الحلقي تستقبله الحنجرة، فيمر بالوترين الصوتيين، ثم يخرج إلى فراغ الحلق، فيلتقي باللسان والحنك، ثم يمر بعدهما بالشفتين خارجاً من الفم.
*والنطق (عملية مركبة بمعنى أن الصوت لا يتكون إلا بعدة عمليات متكاملة. فلا تكفي استدارة الشفتين لنطق الصوت ومجرد وضع اللسان في أي موضع من الفم لا يكفي لنطق أي صوت، ولذا فهناك مقومات أساسية لنطق الأصوات اللغوية)(37). ويتحكم في الصوت عدة أعضاء في جهاز النطق كالوترين الصوتيين واللسان ومناطق التقائه بالحنك في مقدمه أو وسطه أو أقصاه، وكالتقائه بالأسنان، كما أن لوضع الشفتين دوراً هاماً في نوع الأصوات وصفاتها، وللتجويف الأنفي دوره أيضاً في نطق بعض الأصوات وغير خاف، بعد هذا، أن النطق يختلف من إنسان لآخر، كما يختلف من قوم لآخرين تبعاً لظروف عقلية ونفسية واجتماعية، ليس هنا مجال بحثها.
*هذا ما قرره المحدثون، ونصل إلى ابن جني لنرى ماذا قال في جهاز النطق، فيستوقفنا نص هام، يحسن أن نقرأه لنرى ما فيه(38) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة).
*ثم يبين ابن جني في وضوح سر اختلاف الأصوات الخارجة من جهاز النطق، وكيف يتم هذا الاختلاف فيقول (ونظير ذلك أيضاً وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه، وهو مرسل سمعت له صوتاً فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتاً آخر، فإن أدناها قليلاً سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلاً غير محصور تجده – بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور – أملس مهتزاً، ويختلف ذلك بقدرة قوة الوتر وصلابته وضغطه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالضرب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا). وهو بهذا يصف ميكانيكية النطق.
*ونشير أولاً إلى أن ذكر كلمة بعضهم في قول ابن جني يوحي بأن تشبيه الحلق والفم بالناي، ليس من صنعه، وأغلب الظن أنه للخليل، فقد عرف عنه اشتغاله بالموسيقا وإتقانها. وكثيراً ما أورد ابن جني آراءه في كتبه(39) ولكنه تشبيه بارع كبراعة تشبيه الحلق بوتر العود، وفي القول ذكر أن الحلق يكون صلباً ورخواً، ولصلابته أو رخاوته أثر فيما ينطق من أصوات، ومن المعروف اليوم أن في الفم حنكاً صلباً ثابتاً لا يتحرك، وحنكاً ليناً قابلاً للحركة، قد يرفع أو يخفض فيغير في الأصوات(40)، فلعل الحلق عنده يعني الحنك عند المحدثين، والمهم في الأمر أن ابن جني عرف أن الأصوات تختلف فيما بينها تبعاً لأوضاع أعضاء جهاز النطق، وأن من الأصوات ما تعترضه العوائق التي مثلها بأنامل الزامر على الناس أو أصابع ضارب العود على الوتر، وهي عند المحدثين عوائق الوترين الصوتيين واللسان وغير ذلك.
*وينبغي أن نتنبه إلى ما يقصده ابن جني بكلمة المقطع في قوله الذي نتحدث عنه، فليس المقصود منها ما نعنيه نحن اليوم من اجتماع صوتين أو أكثر، بل تعني – كما يفهم من كلام له –المكان الذي يعترض فيه الصوت عائق يمنعه عن جريه واستطالته، وفي هذا يقول(41) (اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته) فالمقطع عنده إذن، هو مخرج الحرف كما في اصطلاح المحدثين، ويلاحظ هنا أيضاً إشارة ابن جني الواضحة إلى أن اعتراض الصوت في جريانه قد يكون في واحد من أعضاء النطق التي ذكرها.
*وابن جني لم يصف جهاز النطق على نحو ما يفعل المحدثون، بل اكتفى بالتشبيه الذي رأيت، وبذكر مختلف أعضاء هذا الجهاز في خلال حديثه عن مخارج الحروف، وهي الصدر والحلق والفم والخياشيم، فالصدر يساعد على إطلاق النفس المؤدي إلى إحداث الصوت، وليس مساوياً للأعضاء الأخرى، لأنه لا يضم مدارج
المعجم والقاموس
(دراسة تطبيقية في علم المصطلح)
د. علي القاسمي (*)
100ـ المشكلة:
يسعى علم المصطلح الحديث إلى تخصيص مصطلح واحد للمفهوم الواحد في الحقل العلمي الواحد، بحيث لا يعبر المصطلح الواحد عن أكثر من مفهوم واحد، ولا يُعبَر عن المفهوم الواحد بأكثر من مصطلح واحد. وهذا يتطلب التخلص من الاشتراك اللفظي والترادف في المصطلحات.
ولما كان كثير من المثقفين الناطقين باللغة العربية يستخدمون لفظتي(معجم) و(قاموس) بوصفهما مترادفتين، فإن بعض اللسانيين العرب، من لغويين ومعجميين ومصطلحيين، حاولوا الاستفادة من تخصيص هذين المترادفين للتعبير عن ثنائيات مفهومية تكاثرت بفضل النمو المطرد في البحث اللساني الحديث.
وهكذا ارتأى بعضهم الاستفادة من هاتين اللفظتين للتفريق بين المفهوم 1 (مجموع المفردات المفترض للغة) والمفهوم 2 (مجموع المفردات المختارة التي يضمها كتاب مع معلومات لغوية أو معرفية عنها)، فخصوا المفهوم 1 بلفظ (المعجم) والمفهوم 2 بلفظ (قاموس). وذهب بعضهم الآخر إلى أن كلمة (معجم) ينبغي أن تطلق على (المخزون المفرداتي الذي يمثل جزءا من قدرة المتكلم/المستمع اللغوية) في مقابل (قاموس) التي يجب أن تطلق على (المجموع المفرداتي في كتاب).
ومن ناحية أخرى فإن مبدأ الاقتصاد في اللغة شجع بعض المصطلحيين على تفضيل المصطلح البسيط المؤلَّف من لفظ واحد على المصطلح المركب المكون من لفظين أو أكثر. ومن هنا نَحوا إلى تخصيص لفظ (القاموس) للدلالة على نوع معين من المعاجم هو (المعجم الأحادي اللغة) والاحتفاظ بلفظ (المعجم) للتعبير عن نوع آخر هو(المعجم الثنائي اللغة)، على غرار تواضع المترجمين على إطلاق لفظ (المترجم) على (المترجم التحريري) ولفظ مرادفه (الترجمان) على (المترجم الشفوي الفوري).
ونظرا لأن المفاهيم اللسانية تتكاثر بتقدم البحث العلمي وأن المعاجم تتنوع بتعدد الحاجات المعرفية للإنسان، فإننا لا نستبعد أن يلجأ لسانيون عرب آخرون إلى استخدام كلمتي (معجم) و (قاموس) للتعبير عن مفاهيم لغوية جديدة أو أنواع مختلفة من المعاجم.
إن تخصيص مترادفين للتعبير عن مفهومين مختلفين محاولة مشروعة وأمر محمود يؤدي إلى التقليل من الترادف ويسهم في تيسير عملية التواصل بين المتخاطبين. ولكي يكون هذا التخصيص مؤديا للغرض مفيدا ينبغي أن لا يتعارض مع الاستعمال الساري وأن يحظى بقبول الناطقين باللغة حتى ينال مرتبة الشيوع. أما إذا اقتصر أمره على فئة محدودة تخالف المتفق عليه بين الجمهور، فإن تلك المحاولات قد تؤدي إلى عكس ما تتوخاه وتنتج عنها ازدواجية مصطلحية، تعيق حركة انتقال المعرفة وتضر بالتواصل بين أبناء الأمة الواحدة.
200ـ المعجم
كلمة (المعجم) ـ في المعاجم التراثية ـ مشتقة من مادة (ع ج م)، و(العجمة) هي عدم الفصاحة وعدم البيان، و(الأعجم) هو الذي لا يفصح ولا يبين، و(أعجم الكلام) جعله مشكلا لا بيان له، أو أتى به أعجميا فيه لحن، وعادة ما يؤخذ الشاهد على ذلك من قول رؤبة أو الحطيئة:
الشعر صعب وطويل سُلّمُـه
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
يريد أن يعـربه فيعـجـمه
وفي "لسان العرب" : " أعجمت الحرف: بينته بوضع النقط السوداء عليه… وأعجم الكتاب: نقّطه وأزال استعجامه على سبيل السلب، لأن صيغة (أفعل) الأصل فيها الإثبات، وقد تأتي للسلب."
وقد استخدمت كلمة (معجم) في وقت متأخر للدلالة على كتاب ترتب فيه المعلومات بطريقة معينة، من قبل علماء الحديث أولا، قبل أن يستخدمها علماء اللغة. ويجمع لفظ (معجم) على معاجم ومعجمات.
210ـ تسمية المعاجم في التراث العربي
من الناحية التاريخية، مر المعجم العربي في تطوره بمراحل متعددة حتى بلغ ما هو عليه الآن. ولم يطلق عليه اسم (معجم) في جميع تلك المراحل. فقد بدأت المعجمية العربية انطلاقا من عناية المسلمين بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وحرصهم على فهمها والوقوف على غريبهما. والمقصود بغريب القرآن أو غريب الحديث اللفظ الغامض البعيد عن الفهم "كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل." (أحمد الشرقاوي إقبال،1987: 7) وكان أول كتاب في غريب القرآن لعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الملقب بحَبر الأمة وبترجمان القرآن المتوفي سنة 68 هـ ثم تعددت الكتب التي تحمل عنوان (غريب القرآن) و (غريب الحديث) ( المصدر السابق نفسه). وفي هذه المرحلة لم تستخدم كلمة (معجم) لوصف تلك الأعمال المعجمية.
وفي المرحلة الثانية أخذ علماء اللغة يشدون الرحال إلى البادية لمشافهة الأعراب وجمع المادة المعجمية من مصادرها الأصلية وتدوينها ثم تصنيفها تصنيفا موضوعيا وإصدارها في رسائل صغيرة تضم المفردات المتعلقة بخلق الإنسان وخلق الحيوان والنبات والحرب والأسلحة. وكانت تلك الرسائل تحمل عنوان (كتاب) مثل (كتاب الخيل) و (كتاب الإبل) و (كتاب الشاء) و (كتاب الحشرات) و (كتاب الطير). وهي بمثابة معاجم مختصة يصنفها عدد غير قليل من أئمة اللغة في ذلك العصر مثل كالكسائي ( ت 200هـ) والنضر بن شميل (ت 204هـ) وقطرب (ت 206) وأبي عبيدة (ت 210) والأصمعي ( ت 216) (جواد حسني عبد الرحيم:1999:381). ولم تحمل معاجم الموضوعات تلك كلمة (معجم) في عناوينها وإنما (كتاب)، كما ذكرنا.
وتتسم المرحلة الثالثة بظهور المعاجم العامة المتكاملة وتؤرخ عادة ب (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي(100ـ175هـ) وكتاب (الجيم) لأبي عمر الشيباني (ت 206هـ) و(البارع في اللغة) لأبي طالب المفضل الضبي (ت 290هـ)، و(جمهرة اللغة) لابن دريد (ت 321هـ)، و(البارع في اللغة) لأبي علي القالي (ت 356هـ)، و(تهذيب اللغة)لأبي منصور الأزهري (ت370هـ). وفي هذه المرحلة وما تلاها من مراحل تطور المعجم العربي نجد أن المعجميين العرب يفضلون إطلاق اسم علم على معاجمهم مثل (المحيط) و (المحكم) و (العباب) و(القاموس). ولا نجد كلمة (معجم) في عناوين مثل هذه التصانيف إلا في أواخر القرن الرابع الهجري في (المعجم في بقية الأشياء) لأبي هلال العسكري وفي أواخر القرن الخامس الهجري في (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع) لأبي عبيد البكري، وكلاهما معجم مختص.
وقد استمر هذا التقليد في إعطاء المؤلفين اسم علم لمعجمهم حتى النهضة العربية الحديثة، فأصدر بطرس البستاني (1819 ـ 1883) معجمه (محيط المحيط) ومختصره معجم (قطر المحيط)، ونشر لويس معلوف (1846 ـ1946) معجمه (المنجد)، وحملت معاجم ثنائية اللغة أسماء مثل (المورد) و (المنهل) وما إلى ذلك. ثم أخذ عدد من المؤسسات الثقافية يستخدم كلمة (معجم) في عناوين أعمالها المعجمية. وفي طليعة هذه المؤسسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي نشر (المعجم الوسيط) عام 60/ 1961 ، ومؤسسة لاروس التي أصدرت (المعجم العربي الحديث) عام 1987 ، والمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة التي نشرت (المعجم العربي الأساسي) عام 1989. إضافة إلى أن كثيرا من المؤلفين أخذوا يستعملون كلمة (معجم) في عناوين مؤلفاتهم المعجمية.
300ـ القاموس
في نطاق إطلاق نعوت الماء والبحر على التصانيف المعجمية كالعباب والمحيط اتخذ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت 817 هـ) اسم (القاموس المحيط) عنوانا لمعجمه.
ويخبرنا الفيروزآبادي في معجمه المذكور أن كلمة (قاموس) تعني "معظم ماء البحر". و(القاموس)مشتق من مادة ( ق م س). وفي (لسان العرب) لابن منظور: قمس في الماء يقمس قموسا: انغط ثم ارتفع، وقمسه فانقمس أي غمسه فيه فانغمس، يتعدى ولا يتعدى, والقاموس والقومس: قعر البحر، وفي الحديث الشريف: "قال قولا بلغ به قاموس البحر" أي قعره الأقصى. وقيل القاموس: معظم ماء البحر أو وسطه.
وبعد صدور (القاموس المحيط) بفترة وجيزة انتشر انتشارا واسعا، وذلك لأن صاحبه جمع فيه محاسن أفضل المعاجم التي سبقته كالمحكم لابن سيده والعباب للصاغاني، وجعله في حجم يسهل استنساخه وتداوله وحمله، "فطار صيته في كل مكان وشاع ذكره على كل لسان"، كما يقولون، و"اشتهر في المدارس اشتهار أبي دلف بين محتضره وباديه، وخف على المدرسين أمره إذا تناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوهّ كما يقول عنه مرتضى الزبيدي في مقدمة معجمه (تاج العروس من جواهر القاموس) الذي ـ كما هو ظاهر من عنوانه ـ يتخذ من معجم القاموس منطلقا له، وهذا شأن كثير من المعاجم اللاحقة التي جعلت من (القاموس) أساسا لها مثل معجم (محيط المحيط) لبطرس البستاني (1819ـ1883). كل هذه الأسباب جعلت الناس يطلقون كلمة (قاموس) على أي معجم آخر من باب إطلاق اسم أحد أفراد النوع على النوع كله، أو ما يسميه الدكتور إبراهيم أنيس بـ "تعميم الدلالة (إبراهيم أنيس، 1976: 154)
ويرى الدكتور عباس الصوري، الذي كان من أوائل الذين درسوا مشكلة تسمية (المعجم والقاموس)، أن هذه الظاهرة كادت أن تتكرر بعد صدور معجم (المنجد) للويس معلوف وانتشاره واشتهاره، فيقول: " أضحى هذا المعجم ظاهرة العصر بحيث نجده في مكتبة الأديب والباحث والمدرس والتلميذ في أحجام كبيرة ومتوسطة وصغيرة، ولاتساع نطاق شهرته بين متعلمي اللغة العربية غطى اسمه على بقية المعاجم الأخرى إلى حد اختلط الأمر على الطلاب فأصبحوا يستعملون لفظة (المنجد) للدلالة على معنى القاموس…" (عباس الصوري، 1998: 16).
وعلى الرغم من أن بعض اللغويين المتشددين يعتبرون استعمال كلمة (قاموس) بمعنى (معجم) نوعا من الخطأ الشائع، كما يرى الدكتور إبراهيم السامرائي، فإن هذا لا ينفي أن كلمة (قاموس) أصبحت مرادفة لكلمة (معجم) في اللغة العربية الفصيحة المعاصرة، ودخلت في (المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية في القاهرة وفي (المعجم العربي الأساسي) للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة(عباس الصوري، 1998 : 9)
400ـ المعجم والقاموس
إذن تُستخدم لفظتا (معجم) و(قاموس) في اللغة العربية المعاصرة بوصفهما مترادفتين، أحببنا ذلك أم كرهنا. والترادف في اللغة، إن وجد حقا، ينبوع ثر تهفو إليه أفئدة الأدباء، من شعراء وكتاب، لإغناء نصوصهم بمفردات متنوعة. ولكن المصطلحيين وأصحاب الاختصاص يحبذون، كما أشرنا من قبل، أن يختص المفهوم العلمي الواحد بمصطلح واحد لتكون نصوصهم ذات دلالة دقيقة مضبوطة. وهكذا فهم يميلون إلى التخلص من الترادف والاشتراك اللفظي للتخلص من أي تشويش دلالي محتمل.
ومن الأمثلة على ذلك اللفظان المترادفان (مترجم) و(ترجمان) اللذان يطلقان على من يقوم بنقل النصوص من لغة إلى أخرى. وعندما ازداد التواصل الإنساني بفضل الثورة الصناعية وتطور وسائل النقل في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وتفاقمت الحاجة إلى المترجم الشفوي الفوري في الملتقيات والمؤتمرات الدولية، وطورت الصناعة أجهزة كهربائية لتيسير عمل المترجمين الفوريين، وأخذت معاهد تعليم الترجمة توزع طلابها على تخصصين مختلفين هما الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية الفورية، اشتدت الحاجة إلى مصطلحين مختلفين للدلالة على هذين النوعين المتباينين من المترجمين. وعند ذاك لجأ أصحاب المهنة إلى الاستفادة من الترادف الموجود في اللغة العربية فاصطلحوا على إطلاق لفظ (المترجم) على المترجم التحريري وإطلاق لفظ (ترجمان) على المترجم الشفوي الفوري. وكان لهم سند في تراث العرب اللغوي مستمدا من قول النابغة الذبياني:
إن الثمانين، وقد بلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
410 ـ مفردات الأمة ومفردات الكتاب:
عرف علم اللغة انطلاقة جديدة في أواخر القرن التاسع عشر وازدهر أواسط القرن العشرين. وقادت البحوث اللغوية الحديثة إلى ظهور عدد من المفاهيم الحديثة. وقد فرّق بعض هذه البحوث بين مفهومين: الأول "المجموع المفترض واللامحدود من الألفاظ التي تملكها جماعة لغوية معينة بكامل أفرادها" وهو ما اصطلح اللسانيون على تسميته بالإنجليزية Lexicon وبالفرنسية lexique. والمفهوم الثاني هو " مجموعة من الألفاظ المختارة المرتبة في كتاب ترتيبا معينا مع معلومات لغوية أو موسوعية عنها"وهو ما اصطلح عليه بالإنجليزيةDictionary وبالفرنسية dictionnaire.
وعندما واجه اللغويون العرب المعاصرون هذا الفرق بين المفهومين، ارتأى بعضهم الاستفادة من اللفظين المترادفين (معجم) و (قاموس) فخص المفهوم الأول بكلمة (معجم) وترك كلمة (قاموس) للمفهوم الثاني.
وفي واقع الأمر كان علماء اللغة العرب القدامى يدركون الفرق بين المفهومين. وكانت همتهم العالية تحدوهم إلى محاولة تصنيف معجم يلم لا بجميع المفردات الموجودة في اللغة العربية فحسب، وإنما بجميع المفردات الممكنة الوجود كذلك. وقد تجلت هذه المحاولة في البرنامج الطموح الذي صممه أبو المعجمية العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه الموسوم بـ "كتاب العين"، وذلك باتباع طريقة تقليبات الجذور لتحديد المواد المستعملة والمهملة وغير الممكنة الوجود لأسباب صوتية وغيرها. وهذا معنى قول الخليل في مقدمة المعجم إنه أراد أن يصنف كتابا يكون "مدار كلام العرب وألفاظهم، لا يخرج منها عنه شئ." (الخليل، 1980: 18).
ومن اللسانيين العرب الذين يستعملون (معجم) و (قاموس) بمعنيين مختلفين الدكتور عبد العلي الودغيري الذي يستخدم كلمة معجم للدلالة على "المجموع المفترض (أي الموجود بالقوة لا الفعل) واللامحدود من الوحدات المعجمية التي تمتلكها جماعة لغوية معينة بكامل أفرادها، أو يمكن أن تمتلكها احتمالاً، بفعل القدرة التوليدية الهائلة للغة."وهكذا فمعجم مقابل lexique. ويستعمل كلمة (قاموس) للتعبير عن كل كتاب "يجمع بين دفتيه قائمة تطول أو تقصر من الوحدات المعجمية (المداخل) التي تحقق وجودها بالفعل في لسان من الألسنة، ويخضعها لترتيب وشرح معينين." (الودغيري، 1989: 130)
ويلاحظ أن هذا الاستعمال مغاير لاستعمال الجمهور، كما سنرى فيما بعد.
ويتبنى الدكتور عبد القادر الفهري موقفا مماثلا في كتابه "المعجم العربي" فيقول ما نصه: "إن معرفة مجموع مفردات اللغة، أو معجمها، تقتضي الإحاطة بعدد هائل من المعلومات عن هذه المفردات، وضمنها خصائصها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والبلاغية."
ويواصل كلامه في نفس النص فيقول: "وقد قامت في الحضارات المختلفة صناعة قاموسية (أو معجمية) تتوخى وصف هذه المعرفة في جوانب ومستويات محددة بحسب الأهداف التي يوضع لها المؤلًَف القاموسي." (الفاسي الفهري، 1986: 14-13)
ويلاحظ في الفقرة الأولى أن الكاتب يستخدم عبارة "معجم اللغة" بمعنى (Lexicon, lexique ) ويميل في الفقرة الثانية إلى استخدام "قاموس" بمعنى (Dictionary, dictionnaire) ، ولكنه يستعمل في الوقت نفسه لفظ (معجم) مرادفا لـ (قاموس). وهذا لا يخالف صراحة الاستعمال الشائع للفظين.
ويسير على نهج الدكتور الودغيري أحد تلامذته، السيد عبد الله ولد عبد المالك، الذي أعد بحثا لنيل دبلوم الدراسات العليا في جامعة محمد الخامس أوضح في بدايته أنه سيستخدم كلمة (معجم) مقابلا للكلمة الفرنسية (lexique ) وكلمة (قاموس) مقابلا للكلمة الفرنسية ((dictionnaire. (عبد المالك،1999: 5). ولكن بعد أسبوع واحد من مناقشة ذلك البحث، نوقشت في القاعة ذاتها رسالة دكتوراه دولة قدمها الباحث جواد حسني عبد الرحيم سماعنه بعنوان "المصطلحية العربية بين القديم والحديث" استخدم فيها كلمتي (معجم) و(قاموس) بوصفهما مترادفين (سماعنة،1999). وهذا التناقض في الاستعمال في مؤسسة واحدة يبين أهمية البحث في هذه التسمية بصورة موضوعية.
420: مفردات الفرد ومفردات الكتاب:
ومن ناحية أخرى اتجهت بعض البحوث اللغوية الحديثة إلى التمييز بين مجموع المفردات الموجودة في معجم من المعاجم وبين الثروة اللفظية لفرد من الأفراد. ومعلوم أن رصيد الفرد الواحد من المفردات يقل بكثير عن مفردات معجم متوسط مهما كانت ثقافة ذلك الفرد، كما تقل مجموع مداخل المعجم مهما كان كبيرا عن مجموع المفردات المفترض الذي تمتلكه الجماعة اللغوية.
وهنا لجأ بعض اللغويين العرب إلى الكلمتين المترادفتين (معجم) و(قاموس) لاستخدامهما للتعبير عن مفهومين مختلفين، كما فعل الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري في إحدى دراساته حيث خصص لفظ (المعجم) للدلالة على "المخزون المفرداتي الذي يمثل جزءا من قدرة المتكلم/المستمع اللغوية" وجعل لفظ (القاموس) يدل على "لائحة المفردات ومعانيها التي يضمها كتاب." (الفاسي الفهري،1985: 73)
430ـ المعجم الأحادي اللغة والمعجم الثنائي اللغة:
إذا كانت المحاولات السابقة في تخصيص (معجم) و (قاموس) تستند إلى المبدأ المصطلحي القاضي بالتخلص من الاشتراك اللفظي، فإن محاولات أخرى تناولت هاتين الكلمتين كانت تطبيقا لمبدأ مصطلحي آخر هو الاقتصاد في اللغة ومفاده أن المصطلح الذي يتألف من لفظ واحد أفضل من المصطلح الذي يتكون من أكثر من لفظ واحد. ومبدأ الاقتصاد في اللغة يرمي إلى تيسير الاتصال.
ومن المحاولات في المجال المعجمي لاستعمال مصطلحات بسيطة (أو مؤلفة من لفظ واحد) بدلا من مصطلحات مركبة (أو مكونة من أكثر من لفظ واحد) تلك المحاولة التي أقدمت عليها اللسانية المغربية الدكتورة ليلى المسعودي للتفريق بين الأنواع المختلفة للمعاجم. ويرمي تصنيفها إلى التفريق بين المعاجم الأحادية اللغة والمعاجم الثنائية اللغة أو المتعددة اللغات، وكذلك بين المعاجم التي تشتمل مداخلها على تعريفات وتلك المعاجم التي تشتمل مداخلها على مقابلات فقط. ويعتمد تصنيفها معايير عديدة هي: طريقة المعالجة، وخصائص المسرد، وخصائص المفرد، وخصائص التعريف، وعدد اللغات، والموقف اللساني، والبعد الزمني، والوظيفة. وترتب هذه المعايير في شكل جدول، وينتهي الأمر بها إلى تحديد أربعة أنواع من الأعمال المعجمية هي 1) القاموس 2)المعجم 3) الملفظة 4) الملسنة.
وما يهمنا من هذا التصنيف أستخدام الدكتورة المسعودي للمترادفتين (معجم) و(قاموس). فقد خصصت لفظ (معجم) للدلالة على المعاجم المتعددة اللغات التي لا تشتمل على تعاريف، واستعملت لفظ (قاموس) للدلالة على المعجم الأحادي اللغة أو المتعدد اللغات الذي يشتمل على تعاريف. ففي تعليقها على جدول معايير تصنيفها تقول ما نصه: "ويبين الجدول أن (المعجم) يكون متعدد اللغات في حين أن (القاموس) يمكن أن يكون أحادي اللغة أو متعدد اللغات، كما يتسم الأول بغياب التعاريف والاكتفاء بتقديم مجموعة من المصطلحات في شكل مقابلات معجمية تنبني على علائق التكافؤ القائم أو المفترض بين اللغة المصدر واللغة أو اللغات الهدف." (المسعودي، 1998: 166)
وهذا الاستعمال مخالف لاستعمال الجمهور، كما سنرى فيما بعد.
500 ـ التراتيبية في المبادئ المصطلحية
510 ـ إن اجتهادات اللسانيين التي مر ذكرها والمتعلقة بإعادة تعريف لفظي (معجم) و(قاموس) للتعبير عن مفاهيم لسانية جديدة هي محاولات مشروعة بل مستحبة لثلاثة أسباب: الأول، إن ظهور مصطلحات جديدة تثري اللغة كان دائما نتيجة اجتهادات من لدن الناطقين بتلك اللغة. ثانيا إن من حق الباحث، بل من واجبه أحيانا، أن يبدأ بتعريف المصطلحات التي يستخدمها في بحثه ليقف القارئ على دلالاتها بيسر. فالاصطلاح تواضع واتفاق وليس إلهاما ولا تنزيلا، ولهذا قيل "لا مشاحة في الاصطلاح". وثالثا، إن تلك الاجتهادات كان دافعها تحقيق التماسك المصطلحي ودقة التعبير عن المفاهيم وذلك بتطبيق مبدإ التخلص من الترادف والاشتراك اللفظي ومبدإ الاقتصاد في اللغة الذي يحث على تفضيل المصطلح المفرد على المصطلح المركب.
وعلى الرغم من أن تلك الاجتهادات تستند إلى مبادئ مصطلحية متفق عليها، فإنها تتعارض في رأينا مع مبدإ مصطلحي آخر هو مبدأ الاستعمال والشيوع، الذي يشترط أن لا يتعارض المصطلح الجديد أو المفهوم الذي نخصه بمصطلح موجود مع ما هو مستعمل وشائع بين الناس أو بين المشتغلين في ذلك الحقل العلمي لئلا ينتج عن ذلك ازدواجية مصطلحية أو يتسبب في عرقلة عملية التواصل بين الناطقين بتلك اللغة. وقد يتساءل المرء عما يجب أن يفعله المصطلحي في حالة وجود تضارب أو تعارض بين مبدأين مصطلحيين أو أكثر. إن الحل المنطقي لهذا الإشكال يكمن ـ بلا شك ـ في ضرورة ترتيب تلك المبادئ طبقا لأهميتها وتقديم الأهم على المهم.
ولا نغالي إذا قلنا إن مبدأ الاستعمال والشيوع هو من أهم المبادئ المصطلحية إن لم يكن أهمها، لأن الغاية من استعمال المصطلحات هي تحقيق التواصل وتيسيره وعدم تعرض الرسالة إلى أي تشويش أو ضوضاء. وقد يحصل ذلك التشويش أو تلك الضوضاء من اختلاف المرسل والمتلقي في فهم مدلولات الرسالة. وقد يتحول هذا الاختلاف بينهما إلى خلاف (د. عز الدين البوشيخي، 1998: 22-27)
وهذا ما عبر عنه الدكتور مصطفى غلفان، في معرض نقده للمعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات، بقوله: "إن المفروض في معجم رسمي أن يدرس كل المصطلحات وأن يختار الشائع منها ليتم تعميمها وتوحيد اللسانيين العرب حول استعمالها، فهدف كل عمل اصطلاحي هو التوحيد أولا والابتكار ثانيا… كنا نريد لهذا المعجم أن يكون أساسا معجما موحدا، بيد أننا وجدناه يضيف متاعب أخرى للقارئ العربي من خلال اقتراحه مصطلحات لسانية جديدة مكان مصطلحات شاعت عربيا."(د.مصطفى غلفان، 1998 :149).
إن باب الاجتهاد في وضع المصطلحات أو إضفاء مفاهيم جديدة عليها مفتوح على مصراعيه، فاجتهاد اللغويين أو إبداع الشعراء والأدباء غالبا ما يؤدي إلى إثراء اللغة بمفردات وتعبيرات جديدة، ولكن يشترط أن تتوفر لهذا الاجتهاد الشروط اللازمة. وقد عني علماء المنطق والأصوليون كذلك بهذه الشروط. وفي هذا يؤكد عالم المنطق الدكتور طه عبد الرحمن أن المراد بالاصطلاح هو إطلاق اللفظ على المعنى، ويكون هذا الإطلاق باتفاق أفراد الجماعة أو"من فعل فرد واحد بأن يباشر من تلقاء نفسه هذا التخصيص لغرض تبليغي معين، وحق هذا الإطلاق الفردي أن يقبل التعدي إلى الغير. ويتعدى إطلاق اللفظ على المعنى إلى الغير متى كانت الاعتبارات البيانية التي أخذ بها الواضع الأول لهذا اللفظ تُفضي بغيره متى أخذ بها إلى أن يضع نفس اللفظ لنفس المعنى."(د.طه عبد الرحمن، 1999: 69
الألماني فريتاغ : (( اللغة العربية أغنى لغات العالم )) .
وليم ورك :( إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر.)









